مركز الثقافة والمعارف القرآنية
633
علوم القرآن عند المفسرين
ولا يكون هذا إلا مع إعمال غاية الجهد . قال في تفسير المنار نقلا عن شيخه : « فلا تقول العرب : أطاق الشيء إلا إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف ، بحيث يتحمل به مشقة شديدة » « 1 » . فالآية الكريمة محكمة لا نسخ لها ، ومدلولها حكم مغاير لحكم من وجب عليه الصوم أداء وقضاء . وجميع ما قدمناه مبني على القراءة المعروفة . أما على قراءة ابن عباس ، وعائشة ، وعكرمة ، وابن المسيب حيث قرءوا يطوّقونه بصيغة المبني للمجهول من باب التفعيل « 2 » فالأمر أوضح . نعم بناء على قول ربيعة ، ومالك بأن المشايخ والعجائز لا شيء عليهم إذا أفطروا « 3 » تكون الآية منسوخة ، ولكن الشأن في صحة هذا القول ، والآية الكريمة حجة على قائله . 7 - وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ « 4 » . قال أبو جعفر النحاس : وأكثر أهل النظر على هذا القول إن الآية منسوخة ، وان المشركين يقاتلون في الحرم وغيره . ونسب القول بالنسخ إلى قتادة أيضا « 5 » . والحق : أن الآية محكمة ليست منسوخة . فإن ناسخ الآية إن كان هو قوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ « 6 » . فهذا القول ظاهر البطلان ، لأن الآية الأولى خاصة ، والخاص يكون قرينة على بيان المراد من العام ، وإن علم تقدمه عليه في الورود ، فكيف إذا لم يعلم ذلك ؟ . وعلى هذا فيختص قتال المشركين بغير الحرم ، إلا أن يكونوا هم المبتدئين بالقتال فيه ، فيجوز قتالهم فيه حينئذ . وإن استندوا في نسخ الآية إلى الرواية القائلة : إن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أمر بقتل ابن خطل - وقد كان متعلقا بأستار الكعبة - فهو باطل أيضا . أولا : لأنه خبر واحد لا يثبت به النسخ .
--> ( 1 ) الجزء الثاني ص 156 . ( 2 ) احكام القرآن للجصاص ص 177 . ( 3 ) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 23 . ( 4 ) سورة البقرة : الآية 191 . ( 5 ) نفس المصدر ص 28 . ( 6 ) سورة التوبة : الآية 5 .